الخابور- منذر الطويل
لا يُعدّ التوغل البري الأخير الذي نفّذه الجيش الإسرائيلي مساء السبت في عمق بلدة “حضر” بريف القنيطرة، وتجاوزه الشريط الحدودي، واقتحامه منازل الأهالي واعتقال عدد من شبانها، حدثاً أمنياً عابراً أو عملية موضعية لملاحقة ما ادّعى الاحتلال أنها “خلايا تهريب سلاح”، بل يمثل عدواناً يمسّ أمن البلدة وكرامة سكانها، ويضع المجتمع الدرزي في الجنوب السوري أمام استحقاق حساس، في ظل تعتيم إعلامي وصمت سياسي يثيران الكثير من التساؤلات.
وأمام هذا التصعيد، لم يقف المجتمع المحلي مكتوف الأيدي؛ إذ أصدر وجهاء وأهالي بلدة “حضر” بياناً رسمياً حازماً، أكدوا فيه رفضهم المطلق لانتهاك حرمة المنازل وتفتيشها، مشددين على أن الاتهامات التي يسوقها الاحتلال لتبرير اعتقال شبان البلدة لا تغيّر من حقيقة أن القضية تمسّ كرامة الأهالي وحقهم في حماية أرضهم ومجتمعهم.
هذا الموقف من أهالي البلدة يوجه تساؤلات إلى المرجعيات الروحية والاجتماعية في جبل العرب (السويداء)، وعلى رأسها جماعة حكمت الهجري، حول مدى انسجام المواقف الحالية مع الشعارات التي طالما رُفعت في المضافات، وفي مقدمتها: “دم الدرزي على الدرزي حرام، وأي اعتداء على أي درزي هو اعتداء على الطائفة بأكملها”، وسط تساؤلات عن أسباب اختلاف التعامل مع الأحداث وفق الحسابات السياسية.
فخ التسييس وخلفيات التعتيم الإعلامي
يرى مراقبون أن الصمت الإعلامي المحيط بانتهاكات الاحتلال في “حضر” لا يمكن فصله عن تشابك المصالح الإقليمية والحسابات السياسية. فمن جهة، تعتمد إسرائيل سياسة التحركات المحدودة والهادئة لفرض وقائع ميدانية جديدة دون التسبب بردود فعل واسعة، خصوصاً داخل أوساط الدروز في الداخل الفلسطيني.
ومن جهة أخرى، تجاهلت بعض وسائل الإعلام المحلية والإقليمية المحسوبة على أطراف معارضة للدولة السورية التطورات في البلدة، ولم تُسلّط الضوء على بيان الأهالي الرافض لانتهاك منازلهم أو تسييس قضيتهم.
جماعة الهجري: عندما تتعارض الحسابات السياسية مع روابط القربى
توجه انتقادات إلى المرجعية الروحية في السويداء وحراكها الشعبي، باعتبار أن حادثة “حضر” كشفت، بحسب منتقدين، تفاوتاً في التعاطي مع القضايا التي تمس أبناء الطائفة الدرزية.
ويرى منتقدو جماعة الهجري أن الصمت تجاه التوغل الإسرائيلي، مقابل مواقف سابقة تجاه قضايا أخرى، يثير تساؤلات حول تأثير الحسابات السياسية والإقليمية على المواقف المعلنة.
ويشير هؤلاء إلى أن أي تصعيد سياسي ضد إسرائيل قد يضع بعض العلاقات الإقليمية والدولية المرتبطة بالحراك في السويداء أمام تحديات، في ظل اعتماد بعض الأطراف على قنوات دعم خارجية.
لكن بالنسبة لأبناء بلدة “حضر”، فإن هذه الحسابات لا تتقدم على واقع المداهمات واقتحام المنازل وانتهاك خصوصية الأهالي. فحرمة المنزل، وفق الأعراف الاجتماعية والعشائرية، تبقى قضية أساسية تتجاوز الخلافات السياسية.
ويؤكد أهالي البلدة أن الاتهامات الإسرائيلية المتعلقة بتهريب السلاح أو الارتباط بجهات معينة لا ينبغي أن تكون مبرراً لانتهاك سيادة البلدة أو استخدام القوة ضد المدنيين.
حضر بين الضغط الإسرائيلي وصراع الإرادات
يرى مراقبون أن إسرائيل تسعى من خلال تحركاتها في المنطقة الحدودية إلى فرض واقع أمني جديد، بما يضمن لها نفوذاً أكبر على الأرض، في وقت يخشى سكان المنطقة من أن تؤدي هذه التحركات إلى إضعاف قدرتهم على حماية مجتمعاتهم وفرض معادلات أمنية جديدة.
إن ما يجري في بلدة “حضر”، والبيان الصادر عن أهلها، يمثل اختباراً حقيقياً لطبيعة المواقف السياسية والاجتماعية في الجنوب السوري، وسط دعوات لتجاوز الخلافات الداخلية وتقديم قضايا الأرض والكرامة والأمن على الحسابات الضيقة.
ويبقى السؤال المطروح: هل ستدفع التطورات الأخيرة نحو موقف موحد في مواجهة التوغلات الإسرائيلية، أم ستبقى رهينة الانقسام.