الخابور - بشير البكر
سواء جرى حلّ قوات سوريا الديمقراطية (قسد)، أم بقيت على ما تأسّست عليه ذات قوام كرديّ صرف، فإن الترتيبات التي تحصل في محافظة الحسكة بينها وبين السلطة السورية لا تُبشّر بحلٍّ مستدام، بل بحلٍّ مؤقّت نتيجة مصاعب على الأرض وإملاءات من الخارج أدّت إلى قبول الأطراف كافة بصيغة هشّة تحمل بذور انفجارها في كل لحظة. وقد ترافق دخول قوات الأمن العام إلى مركزَي الحسكة والقامشلي مع بروز رؤيتَين متعارضتَين لطبيعة المهمّة التي جاءت من أجل تنفيذها على الأرض، فالسلطة تتصرّف على أساس أنها دخلت المنطقة كي تستعيدها وتديرها، بينما ترى "قسد" أن الدولة حضرت بصورة رمزية بهدف وضع تفاهمات لتقاسم السيطرة لا تُلغي دورها، ما يعني عدم إحداث أيّ تغيير جوهري في طبيعة الوضع القائم. ويشكّل إطلاق "قسد" النار على المتظاهرين السلميين الذين خرجوا للتعبير عن فرحهم بدخول الأمن العام إلى الحسكة، واعتقال عددٍ منهم، إشارةً ذات دلالة كبيرة على أن "قسد" لا تزال هي السلطة في المحافظة؛ ويؤيّد ذلك منعها رتل الأمن العام من رفع العلم السوري.
توقّف العملية العسكرية (التي استُعيدت بموجبها مدينتا الرقة ودير الزور) عند الشدّادي في ريف الحسكة ذو دلالة على أن هناك خطّاً لا يمكن للجيش الرسمي تجاوزه. وهذا يعني أنه تم فرض حلٍّ على الجميع من الولايات المتحدة، رغم أنه لا يُرضي الجهات الرئيسة الثلاث المعنية به: السلطة و"قسد" وتركيا. فالسلطة تطرح حل "قسد" ودمج أفرادها في الدولة السورية، ومنحها منصبَين على مستوى عالٍ: محافظ الحسكة ونائب وزير الدفاع. بينما يقول الاتفاق بتشكيل فرق وألوية كردية في محافظة الحسكة وعين العرب، وأن تكون لها قيادات مستقلّة وإدارة مشتركة، وتتحدّث "قسد" عن مناصب أخرى، مثل نواب وزراء في الخارجية والداخلية والإعلام. وإزاء ذلك لا تبدو الدولة التركية راضيةً عن هذه الترتيبات، فقد كان هدفها الرئيس من العملية إنهاء الوجود العسكري الكردي وتقويض الإدارة الذاتية لمنطقة الجزيرة من حزب العمال الكردستاني التركي.
يُضاف إلى ذلك أن الصيغة المطروحة بين السلطة و"قسد" لا تحلّ المسألة الكردية في سورية، بل تفتح الأبواب لمشكلاتٍ أخرى، لأنها تعتمد مبدأ المحاصصة في الحكم، الذي طالما رفضه الرئيس أحمد الشرع منذ وصوله دمشق في 8 ديسمبر/كانون الأول 2024. وقد برز المجلس الوطني الكردي أوّل المطالبين بحصّة، وزار وفدٌ منه دمشق والتقى الشرع، وذلك بوساطة من الزعيم مسعود البرزاني. ومن المتوقّع صدور مطالبات من جهات أخرى بحصص على غرار ما حصلت عليه "قسد"، لا سيما أن هناك من يدعو إلى تعميم النموذج المزمَع تطبيقه في الجزيرة بمناطق أخرى كالسويداء والساحل، من خلال إقرار لامركزية إدارية تسمح لهذه المناطق بإدارة نفسها وفق تفاهم لا يقطع مع الدولة ولا يطلق يدها، تكون الكلمة العليا فيه للمكوّنات المحلّية.
إزاء ذلك، هناك حالة من القلق في أوساط عرب محافظة الحسكة، وهم الغالبية العظمى، من قبول الدولة صيغة تسوية تقوم على تسليم رقابهم لحكم "قسد" من جديد، في وقت كان يحدوهم الأمل بالتحرّر من حكم التمييز الجائر الذي اعتمدته مليشيات حزب العمال الكردستاني التركي خلال عشر سنوات؛ إذ قام على نهب ثروات المنطقة وإفقارها، ومنع التعليم باللغة العربية، وعدم إيلاء البنية التحتية والخدمات اهتماماً، حتى بدت المنطقة، من خلال الصور التي تسرّبت منها، وكأنّها عادت قرناً إلى الوراء.
إلى ذلك، لا تزال فرصة تصحيح الوضع العام قائمةً من خلال اعتماد دستور مدني عصري يطفئ نيران البؤر المشتعلة، ويستبعد مبدأ المحاصصة الذي يقود إلى إضعاف الدولة وتقسيمها إلى مراكز قوى متناحرة.
المصدر: العربي الجديد